• الطقس
  • الاسواق العالمیة
الرئیسة / راي
  • 1400 آذر / تشرين الثاني 28 الأحد‬
  • Teh 18:18 | 14:48 GMT
راي/راي تاریخ : 1400 مهر / تشرين الاول 22 - GMT 03:27
فرصة لدور أوروبي بمظلة أممية لإحلال السلام في اليمن

محمد محمد السادة
لا يزال الدور الأممي تجاه اليمن دون المستوى المطلوب، بل يعد أحد عوامل إطالة العدوان، لكونه لا يزال في إطار الموقف الأميركي - البريطاني الذي يسوده القلق والتباكي على الصعيد الإنساني، وفي ظل غياب للنيات الجادة على الصعيد العسكري والسياسي.
 كما يعكس تعيين السويدي هانز جروندبرغ كمبعوث أممي رابع إلى اليمن فشل واشنطن ولندن في فرض رؤاهما المزعومة للسلام، ويمنح فرصة لدور أوروبي بمظلة أممية قد ينجح في إنجاز اتفاق سلام يمني وإقليمي، إن تحرر من الوصاية الأميركية - البريطانية، وتمكن جروندبرغ من إظهار ثقة ورؤية مختلفة يجسد من خلالها ثقافة أجداده الذين عرفوا ببراعتهم في الملاحة وركوب مخاطر البحار والمحيطات، إضافةً إلى ما تعرف به السويد اليوم من وجود مستويات عالية من الثقة لدى مواطنيها ومؤسساتها، مكنها من تبني رؤية جريئة ومختلفة عن بقية دول العالم في مواجهة جائحة كورونا، عكست فيها ثقافتها الخاصة، إذ لم تقم بإعلان حالة الطوارئ أو الحجر الصحي وفرض الإغلاق، بل تبنت ما يسمى "مناعة القطيع"، وحققت مستويات عالية من المناعة مقارنة ببقية الدول .
نجاح المبعوث جروندبرغ في مهمته يظل مرهوناً بقدرته على إظهار جرأة وبراعة دبلوماسية تختزل ثقافة بلاده وبراعة أسلافه الملاحين، والبدء من حيث فشل سلفة المبعوث البريطاني غريفيث في فصل المسار السياسي عن المسار الإنساني، إذ سيكون مثل هذا التوجه محل تقدير اليمنيين، وسيبدد لديهم الإحباط الذي تركه المبعوثون السابقون، ولا سيما أن السويد استضافت مفاوضات يمنية أفضت إلى اتفاق استوكهولم في العام 2018، وهو اتفاق حقق نجاحاً جزئياً في الحديدة وفي ملف الأسرى.
هناك عوامل إيجابية أخرى يمكن للمبعوث أن يوظفها لإنجاح مهمته، فعلى الرغم من كونه يمثل الأمم المتحدة في مهمته، يتم النظر إليه في الوقت ذاته كدبلوماسي لدولة تحظى بسمعة دولية طيبة، كما ينظر إليه كممثل للاتحاد الأوروبي. وقد عمل سفيراً معتمداً لدى اليمن قبل توليه مهمته كمبعوث أممي، الأمر الذي يمنحه دعماً أوروبياً من شأنه تخفيف الارتباط المباشر لمهمته بالولايات المتحدة وبريطانيا اللتين فشلتا في الظهور بمظهر وسيط السلام في اليمن، من خلال المبعوثين البريطاني مارتن غريفيث والأميركي تيموثي ليندركينج، لتظل الصورة القبيحة لواشنطن ولندن كشركاء في تحالف العدوان على اليمن وجرائمه البربرية. إضافة إلى ذلك، يتولى المبعوث مهمته في ظل زخم دولي داعم لجهود إحلال السلام في اليمن، ولا سيما أن عوامل نضج ملف اليمن اكتملت، وتجلت صورة المشهد وتفاصيله لدى الكثير من أعضاء المجتمع الدولي.
لا شك في أن بعض عناصر رؤية المبعوث لإحلال السلام في اليمن بدأت تتضح من خلال مساعيه ومشاورته مع مختلف الأطراف المعنية، كما تعد الإحاطة الثانية التي قدمها لمجلس الأمن الدولي بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري خطوة متقدمة حملت معها مؤشرات إيجابية، لكونها تضمنت طرحاً مختلفاً إلى حد ما عن الإحاطات السابقة التي تنظر إلى الوضع في اليمن من خلال منظور أميركي - بريطاني - سعودي، كما أظهرت صياغة الإحاطة بعضاً من البراعة والحصافة الدبلوماسية. 
لعل أهم ما اتضح من رؤية المبعوث للحل يبدأ بإجراءات بناء الثقة، من خلال فصل المسار الإنساني عن المسار السياسي. يتضح ذلك من خلال ما طرحه في إحاطته الثانية لمجلس الأمن قائلاً: "لا بد من إحراز تقدم مرحلي في الشؤون الاقتصادية والإنسانية العاجلة، ولا ينبغي استخدام التدابير الإنسانية كورقة ضغط سياسية"، وهو ما يمكن قراءته بأنه توجه نحو فصل المسار الإنساني عن المسار السياسي، وهو أحد مطالب صنعاء الأساسية قبل خوض المفاوضات، ولكن المهم هنا أن يتحول طرحه إلى إرادة أممية مدعومة دولياً، من خلال الضغط على قيادة تحالف العدوان وأدواته للقبول بمنطق فصل المسارين ومشروعيته والبدء بالمسار الإنساني.
كما تتضمن رؤية المبعوث سعيه لاستئناف عملية الحوار بين الأطراف المعنية من دون شروط مسبقة، وصولاً إلى تسوية سياسية شاملة، إضافة إلى اعتقاده بضرورة توسيع دائرة الأطراف الداخلية للمشاركة في المفاوضات، وتوسيع مشاركة المرأة والشباب في مختلف القضايا، وهو مطلب أميركي - بريطاني - سعودي ظاهره حق ولكن يراد به باطل، لكونه يسعى للمساواة بين المنتصر والمهزوم، ويحول دون حصاد اليمن ثمار صموده وتضحياته وانتصاراته.
من الواضح أن رؤية المبعوث للسلام تعتمد على التدرج المرحلي الذي يبدأ بتحقيق تقدم في إجراءات بناء الثقة بين الأطراف كأرضية لتحقيق اختراق في القضايا الأساسية. ولا شك في أن معالم الرؤية ستتضح أكثر، وستستكمل عناصرها بعد إنجاز مرحلة بناء الثقة. عندها، سيكون أمامه مهمة إزالة التحديات التي تعوق تحقيق تسوية سياسية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، إضافةً إلى ما يسمى "المرجعيات الثلاث"، وتبني قرار أممي جديد يستوعب المعطيات الجديدة، ويطالب بخروج القوات الأجنبية، ويمنع التدخل الخارجي في اليمن.
لقد باتت صنعاء وقواتها على موعد وشيك لإعلان استكمال تحرير كل مناطق شمال اليمن، إذ شهدت الآونة الأخيرة سلسلة من الانتصارات النوعية، وبتكتيكات عسكرية فاقت توقعات قوات تحالف العدوان ومرتزقته واستعداداتهم، ومكنت قوات صنعاء من استكمال تحرير محافظتي البيضاء والجوف.
أما مأرب، فهي تعد معقل قوات تحالف العدوان وحكومة هادي، ومحل رهان واشنطن التي تعتبرها معركتها أكثر من غيرها، مستندة في رهانها إلى الاستعدادات الضخمة لقوات التحالف والتفوق الجوي المساند لمرتزقتها الذين يتصدرهم الآلاف من المقاتلين المتطرفين والتكفيريين التابعين لحزب الإصلاح، إلى جانب المئات ممن تم جلبهم من عناصر "القاعدة" و"داعش"، إلا أن قوات صنعاء، مسنودة بمبادرة السلام في مأرب، والتي أطلقها قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي واستجاب لها أغلب مشايخ مأرب وعقلائها، أسقطت رهان واشنطن، ولم يعد يفصل قوات صنعاء عن مركز المدينة سوى معركة أخيرة فاصلة مع من تبقى من أولئك الرافضين لمبادرة السلام وحقن الدماء .
على مدار 7 سنوات من العدوان، تنامت قدرة صنعاء على فرض خيارات السلام، لتصبح اليوم قادرة على فرضه من خلال أدواته السلمية السياسية والدبلوماسية، بكفاءة لا تقل عن قدرتها على فرض معادلة السلام من خلال القوة بأبعادها المختلفة، وهو ما أشار إليه رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط في خطاباته بمناسبة ذكرى ثورة 21 سبتمبر وثورة 14 أكتوبر، والتي جدد فيها دعوة تحالف العدوان للانخراط الجاد في عملية سلام، واستعداد صنعاء للدخول في ضمانات متبادلة والتزامات متبادلة تحمي المصالح المشروعة لليمن والسعودية، وتعالج مخاوف الرياض وهواجسها، مؤكداً في الوقت ذاته القوة كخيار متاح لصنع السلام، فصنعاء التي كسبت الحرب قادرة على صنع السلام من خلال استكمال تحرير كل شبر من أرض اليمن، لتفرض بذلك معطيات لواقع لا يمكن لتحالف العدوان والمجتمع الدولي إلا التعاطي معه والتسليم به. ولعل ما يؤكد ذلك هو ما تشهده المواقف السياسية الدولية تجاه اليمن من تغيير، إذ أصبحت العديد من الدول تبدي المزيد من التفهم والانفتاح على صنعاء، وفي مقدمتها روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
ختاماً، تظهر صنعاء، ومن موقع القوة، جهوزية عالية للسلام العادل والمشرف الذي يضمن مصالح اليمن وحق أبنائه في الاختيار ورسم ملامح مستقبلهم، وكذا حقهم الأصيل والمشروع في الاستقلال والحرية والسيادة، فالسلام الذي يتطلع إليه اليمنيون يتضمن في سقفه الأدنى وقف العدوان، ورفع الحصار، وإنهاء الاحتلال، ومعالجة آثار العدوان، ودفع التعويضات. وفي إطار هذا السقف، تكون صنعاء مستعدة للحوار ومناقشة التفاصيل والضمانات وآليات التنفيذ، أو المضي قدماً لفرض هذا السقف المشروع للسلام بمنطق القوة المرتكز على قوة المنطق والحق.

اليمن ، المبعوث الاممي ، هانز جروندبرغ ، فرصة للسلام ، اوروبا
آخر الاخبار